ما هو حكم صلاة الجماعة


ما هو حكم صلاة الجماعة


السؤال: هل صلاة الجماعة واجبة على كل مسلم،

أم هي سنة مؤكدة عن الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ أفتونا مأجورين.

الجواب : الحمد لله رب العالمين،

والصلاة والسلام على رسوله الأمي الأمين، وصحابته الغر الميامين،

 ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:

فالأصل في صلاة الجماعة،

أنها فرض عين على كل مسلم ذكر بالغ مقيم مستطيع إلا 

من عذر بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

من أدلة وجوب صلاة الجماعة من الكتاب:

 قوله تعالى: 

( وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ

 فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ 

أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ

 وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ 

وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ 

عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍأَوْ كُنتُم مَّرْضَى 

أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً)

(النساء -102)

الصلاة التي جاء ذكرها في هذه الآية الكريمة، 

هي صلاة الخوف، وتكون في ساحة 

المعركة، ولها حالات،

 منها أن تقع أثناء تلاحم الجيوش، ومنها أن تقع عند 

الاصطفاف استعداداً للمواجهة، إلى غير ذلك، والأصل في هذه الصلاة أنها صلاة 

استثنائية تقع حال الخوف وعم الاستقرار، والشاهد من هذه الآية الكريمة،

 أن الله سبحانه أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بصلاة الجماعة

 حتى في أشد الظروف كحالة الحرب ونحوها 

رغم ما فيها من مشقة وعناء وخوف،

ولو كانت صلاة الجماعة غير 

واجبة لما شدد الله سبحانه على أهل الثغور وأمرهم بإقامتها جماعة.

من أدلة وجوب صلاة الجماعة من السنة الصحيحة:

1: فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنه قال:

 أَتَى النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ رجل أعمى،

 فقال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلي المسجد،

 فسأله أن يرخِّص له  ليصلي في بيته فرخَّص له، فلما ولَّى الرجل دعاه فقال: 

(هل تَسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم. قال: فأَجِب).

 وجاء مثل هذا في رواية أحمد وابن حبان والطبراني،

وفيها أن الأعمى هو عبد الله بن أم مكتوم.

 حديث صحيح رواه مسلم والنسائي وغيرهما .

2: وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أيضا،ً

 أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: 

لقد هممت أن آمر فتيتِى فيجمعوا لي حُزمًا من الحطب،

ثم آتي قومًا يصلون في  بيوتهم ليست بهم علة فأُحَرِّقها عليهم. 

فقيل ليزيد بن الأصمِّ: الجمعةَ عنى أو غيرها؟ 

قال: صمّت أذناي إن لم أكن سمعت أبا هريرة يأثره عن رسول الله

 ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يذكر جمعة ولا غيرها. 

 رواه مسلم

من أدلة وجوب صلاة الجماعة من إجماع الصحابة:

فعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال :

( من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ 

على هذه الصلوات حيث ينادى بهن فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى

وإنهن من سنن الهدى

ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم 

ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور

 ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب له بكل خطوة يخطوها حسنة

 ويرفعه بها درجة ويحط عنه 

بها سيئة ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق

ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف).

 رواه مسلم وغيره

فهذه أدلة صريحة على وجوب صلاة الجماعة على كل مسلم بالغ ذكر مستطيع.

شبه والرد عليها:

ذهب بعض العلماء إلى القول بأن صلاة الجماعة ليست واجبة بل سنة مؤكدة

عن الرسول صلى الله عليه وسلم، 

واستدلوا بما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم

 من أحاديث تدل على عدم وجوب صلاة الجماعة منها:

ما رواه الإمام البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه

 أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة).

وما في معنى هذا الحديث، إلا أن هذا الاستدلال لا يستقيم لهم وذلك من وجوه.

1: إن حديث بابن أم كتوم رضي الله تعالى عنه

 فيه تصريح بوجوب صلاة الجماعة 

من كونه صلى الله عليه وسلم لم يرخص لابن أم مكتوم بترك صلاة الجماعة

 وقد أتاه بما أتى من الأعذار، وكان صلى الله عليه وسلم

أذن له ابتداء بترك صلاة الجماعة 

بناء على القاعدة العامة- المشقة تجلب التيسير- إلا أنه صلى الله عليه وسلم

تراجع عن هذا الأمر كونه لم يوافق عليه من قبل الوحي،

 فهو صلى الله عليه وسلم ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى،

 فعاد وأمره بإتيان الجماعة رغم ما فيها من مشقة 

فدل ذلك على إخراج  هذه المسألة من القاعدة العامة،

 وإلا لكان في قوله صلى الله 

عليه وسلم تناقض إذ كيف يرخص له في بداية الأمر ثم يأمره بما يخالفه.

2: إن ابن أم مكتوم رضي الله تعالى عنه،

 إنما أراد التخلف عن صلاة الجماعة لعذر 

وهو المشقة، فقد ذكر من الأعذار كما في مجموع طرق الحديث الشيء الكثير،

 منها بُعد بيته، وعدم وجود القائد ليقوده إلى الصلاة،

 وأنه رضي الله تعالى عنه يخاف الهوام، 

ومع ذلك لم يرخص له صلى الله عليه وسلم

في ترك صلاة الجماعة وهو من بعثه الله رحمة للعالمين،

وهو صلى الله عليه وسلم من كان يأمر رسله بأن ييسروا ولا يعسروا 

 ثم يأمر هو بما يخالف ذلك بالكلية؟؟

 أما القول بأنه صلى الله عليه وسلم 

فعل هذا ليحثه على صلاة الجماعة لما فيها من فضل،

فضعيف وذلك من وجهين: 

الأول: أن سياق الحديث دل على أمر،

والأمر يفيد الإلزام إلا لقرينة صارفة ، وكان صلى 

الله عليه وسلم قادراً على رفع الإشكال من خلال التبيين دون ورود الإشكال

 في الحديث على قاعدة- لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة،

الثاني: أن الواجب مع 

المشقة يسقط بقدر ما يشق على الفاعل،فكيف بالسنة،

وعدم ترخيصه صلى الله عليه وسلم

 لابن أم مكتوم بترك صلاة الجماعة مع وجود المشقة

غير المانعة له من إتيانها لدليل واضح على وجوبها.

3 : حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه

 والذي تضمن قول الرسول صلى الله عليه 

وسلم : ( لقد هممت أن آمر فتيتى فيجمعوا لي حُزمًا من الحطب،

 ثم آتي قومًا يصلون في بيوتهم ليست بهم علة فأُحرّقها عليهم).

 ففي هذا الحديث قرينة

 واضحة على ذم أولئك المتخلفين عن صلاة الجماعة لغير علة،

والقاعدة أن السياق المتضمن للذم يدل على تحريم،

ولا يقال هنا إن عدم تحريق الرسول صلى الله عليه وسلم

 المتخلفين عن الصلاة في الجماعة يدل على عدم وجوبها،

لأمرين الأول : إن التعذيب بالحرق لا يجوز 

لحديث ابن مسعود  رضي الله عنه قال:

(رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قرية نمل 
قد حرقناها فقال : من حرق هذه قلنا :
نحن قال : إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار ) 
. رواه أبو داود بإسناد صحيح ،
الثاني: أن ترك صلاة الجماعة لا يوجب الحد وذلك بالإجماع ،

ولما كان الأمران ممتنعين دل على أن المراد بالحديث التشديد 

المتضمن للذم الدال على وجوب الفعل.

4: الأصل في الأحاديث التي ظاهرها التناقض، الجمع بينها،

 وعدم إهمال أي منها، والجمع بين هذه الأحاديث قائم ،

إذ تحمل الأحاديث الدالة على وجوب صلاة الجماعة على ظاهرها،

 وتصرف الأخرى لمن لا تجب صلاة الجماعة في حقه كأصحاب الأعذار وغيرهم.

 5: الأصل في المسلمين أن يفهموا النصوص الشرعية

من منطلق فهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم،

 ولا يجوز مخالفة ما كانوا عليه البتة،

 وقد دلت الآثار الواردة عنهم أنهم كانوا يشددون في هذه المسألة

ويتهمون المتساهلين فيها كما في الأثر عن ابن 

مسعود رضي الله تعالى عنه:

( ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق 

ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف ) .

وقول ابن مسعود ليس اجتهاداً منه كما يظن البعض،

 بل هو نقل عام لما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم،

 والقاعدة – أن قول الصحابي إذا اشتهر عنه اشتهاراً صحيحاً 

ولم يوجد له مخالف في عصره يكون بمثابة إجماع منهم رضي الله تعالى عنهم،

 وهذا الأثر مشتهر صحيح،

ولا يوجد لابن مسعود مخالف في عصره فيكون إجماعاً 

من الصحابة رضي الله تعالى عنهم،

 خاصة وأن هنالك أحاديث كثيرة تصف من يتخلف 

عن صلاة الجماعة بالنفاق.

 وهذا الوصف من أعلى درجات الذم لا يستحقه إلا آثم والعياذ بالله

 ما يدلنا  على وجوب المسألة .

6 : حرصه صلى الله عليه وسلم على إقامة صلاة الجماعة

حتى بعد انقضاء وقتها  كما في حديث عن أبي مريم، قال:

كنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في سفر، 

فأسرينا ليلة، فلما كان في وجه الصبح،

 نـزل رسول الله صلى الله عليه و سلم فنام 

ونام الناس ، فلم نستيقظ إلا بالشمس قد طلعت علينا،

 فأمر رسول الله صلى الله عليه 

و سلم المؤذن فأذن، ثم صلى الركعتين قبل الفجر،

 ثم أمره فأقام، فصلى بالناس،

 ثم  حدثنا بما هو كائن حتى تقوم الساعة). رواه النسائي.

أخي الحبيب: إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم

لم يرخص لابن أم مكتوم رضي الله 

تعالى عنه بترك الجماعة على ما به من أعذار،

فكيف بالصحيح السالم الذي لا يمنعه 

من إتيان الجماعة إلا الكسل وتخبط الشيطان والعياذ بالله

وبناء على ما قد سلف،

يتبن أن صلاة الجماعة واجبة في حق من تجب عليه إلا لعذر 

والله سبحانه أعلى وأعلم، 

وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .


هل أعجبك الموضوع ؟

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

علوم الاسلام ©2010 ،